همس الروح
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

همس الروح

اسرة واحدة**قلب واحد**نبض واحد**همس قلوبنا
 
الرئيسيةالبوابةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 اشواك الحب

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زائر
زائر




اشواك الحب Empty
مُساهمةموضوع: اشواك الحب   اشواك الحب Icon_minitimeالأحد ديسمبر 21, 2008 10:31 am


في المدرسة كانا يجلسان علي مقعد واحد.. كبرا معاً مثل شجرة كرز ذات فرعين وكان من الصعب أن يفترقا. فكلاهما يغني نفس الأغنية. فقد عرفت طعم الحزن المبكر منذ سنوات الطفولة البعيدة في بيت لا يكف فيه الشجار والخناق بين الأم والأب.. تمزقها الحيرة بين حبيبين لا تعرف أيهما تكره وأيهما تحب.. بينما يعيش شادي مع زوجة أبيه.. تمر نهاراته ولياليه مشبعة بالاضطهاد والكراهية.
عندما اقتربا من مباهج سنوات الصبا والشباب تمكن العشق من قلبيهما.. يهربان إلي الغابة علي بعد عدة أميال خارج المدينة.. يرقصان رقصة منتصف الليل تحت ضوء القمر ويتسابقان في الممرات الظليلة.. تقطف له زهرة تطلق عليها الفتيات اسم "الحب بجنون" ذلك أن رحيق تلك الزهرة الأرجوانية عندما يقطر في عيني النائم يقع في حب أول شخص ينظر إليه عندما يفتح عينيه.. تطلب منه أن ينام علي العشب الأخضر.. تسكب قطرة رحيق الزهرة في عينيه وسرعان ما يستغرق في النوم وهي تتأمله بنظرات ولهي وعندما يستيقظ يتعانقان حتي يتوه كلاهما في الظلام ولا يجد كل منهما الآخر.
ذات ليل رآها أبوها بصحبة الفتي العاشق وكان العقاب الذي وقع عليها كالصاعقة.. افترق العاشقان. وعاشت حزينة.. مصدومة تبحث عن حل لمأساتها الداخلية.. تشعر أنها ميتة طالما بقي هذا الاتهام ضدها حياً!.
غاب الحبيب في لحظة ومضي إلي غير عودة تاركاً في القلب حرقة الشوق وجمرات الذكري.. ورحلت مواعيد اللقاء مثلما سيرحل عام بعد أيام معدودات.. ومثلما رحلت أعوام وأعوام تمر سراعاً بحساب العمر بطيئة متثاقلة بحجم تفاصيل حكايات الألم والشجن والمعاناة.
ومريم ليست الوحيدة التي صدمتها الحياة.. جميعنا نتلقي الصدمات العنيفة التي تفقدنا الأمان في الدنيا فنبحث عن بديل في الطعام والجنس وحب الامتلاك والسيطرة.
وهي دوافع وشهوات حصادها مكاسب مفلسة مهما حاولنا تبريرها والبحث عن غطاء أخلاقي لها وضمان منطقي لاستمرارها..
هؤلاء الذين تحكمهم شهوة المعدة والجنس والقوة والسيطرة وشهوة امتلاك العقارات والأراضي والثروة. هم أشخاص معتقلون.. يعيشون حياة جامدة راكدة تدفن المشاعر والأحاسيس في توابيت ومقابر الآلية والتكرار والملل.. فالجنس ينتهي بالخيبة بمرور السنوات.. والإفراط في الطعام ينتهي دوماً بالتخمة والخمول والكسل والنوم.. والجلوس في كراسي السلطة والنفوذ ينتهي باليقظة الفاجعة. وإذا بالنفوذ قد زال وتواري مخلفاً الفراغ والحسرة والألم.. بل من يقرأ في أعداد الصحف القديمة يدرك كم هي الحياة قصيرة.. ومخادعة. وكيف أن عالم بنجومه ووزرائه وحكامه انطوي كما تنطوي صفحة في كتاب ولم يترك أثراً أو حتي طيفاً باهتاً في ذاكرة.
يتبخر الناس كالسبرتو ولا يتركون حتي رائحة.. لاشيء يبقي أبداً.. لا الشهرة ولا المجد ولا الممتلكات ولا المستقبل اللامع.. ومسكين هذا الذي لا يدرك أن كل آماله وأحلامه وأفراحه يمشي عليها الزمن ثم يمشي عليه ويدوسه بقدميه حتي يمشي علي ترابه وأنقاضه ويذروه دون كلمة عزاء.. فالمعزون هم الآخرون يأتي دورهم ويموتون هم وذكرياتهم ويبقي الصمت.. صمت منذ لحظة الموت والفراق وإلي الأبد.. لا أحد ينظر إلي الخلف. بل نسيان أبدي لذلك الإنسان الذي كان يوماً كل شيء!.
إن أجمل ما فينا يعتقل في اللحظة التي نخرس فيها صوت القلب ونتحول إلي أولاد سوق تحكمنا مطامعنا الصغيرة الرخيصة وحسابات المكسب والخسارة وقوانين المنطق والعقل.. فالعمر الحقيقي ليس تعاقب سنوات وأحداث.. ولا يحسب بمقدار النجاح والثروة وبلوغ الأماني والغايات. بل يخطئ الذين يرفعون شعارات المراوغة والقدرة علي التكيف وهزيمة القلق والحزن والاكتئاب.. يعتنقون مبادئ الجبناء الأغبياء. فلابد من المرونة والمداهنة والمجاملة والكذب والتملق حتي لا يصطدموا بالطوب والحجارة في مشوار الوصول للمناصب وتحقيق الثروة والنفوذ والجاه.. يتجنبون الصدق لأن الصدق يجرح والصراحة تصدم.. ينافقون الذين يكرهونهم لأن لهم معهم مصلحة ويدوسون بأقدامهم الذين يحبونهم لأنهم يعطلون مسيرتهم نحو الشهرة والنجاح. بل لديهم مفاهيم نفعية برجماتية عن الحب والزواج والسعادة والاستقرار.
إنهم مثل سارتر.. الحب في نظرهم ما هو إلا قناع لإرادة الامتلاك والسيطرة.. العاشق لا يبتغي إلا امتلاك المعشوق بكل الوسائل ينتهي الصراع بأن يبتلع الواحد الآخر.. حتي الصداقة تحتوي علي العداوة والخوف والتربص.. كل واحد يتربص بالآخر ليستولي عليه ويدمر إمكانياته وهو يشعر بالحاجة إليه والخوف منه في نفس الوقت!.
ثم تأتي لحظة فيكتشف هؤلاء أن زمناً طويلاً مفقوداً قد ولي.. وأنهم كانوا ضحايا ديكتاتور اسمه المجتمع والناس ومسوغات النجاح الزائفة.. فيحاولون التخلص من مئات الهموم الصغيرة والواجبات الروتينية والمجاملات التي يحرصون عليها بحكم عبودية الواجب والعادة.
لحظة خلوة مع صديق يتيح شيئاً من البوح والمصارحة والمكاشفة والعري النفسي النبيل الفاضل.. صديق لا تجمعه بهم مصلحة. إنما لحاجة روحية صرفة.. صديق يذكرهم بتعويض الأشياء التي نفدت منهم واختلسها الزمن مثل حسن النية والتعاطف وطيبة القلب تتوق للحرية والعدالة والجمال وهذا الحنين الطاغي لكل ما هو صادق وأصيل ونبيل.
ربما النفس البشرية غابة كثيفة من الخبايا والأسرار.. وقد يزدحم الواقع النفسي الداخلي بالكثير من الرؤي والقناعات والتمويه والخيالات. بل كثيراً ما يخدع الوجدان صاحبه ويكذب عليه. فما يظنه العاشق الولهان قد يكون مجرد شهوة أو هروباً أو غروراً أو رغبة في السيطرة والتحكم. أو لوناً من التفاخر والتباهي. فكما يتباهي الطاووس بريشه يتباهي العاشق بفحولته أو حتي رغبته في تحسين أدائه الجنسي. وما يتبعه من صحة نفسية وجسمانية مثلما يعتقد الرجال.. وقد يكون رغبة في الإذلال والانتقام.
وقد يخفي التدين والورع الشديد في داخله رغبة قصوي في تعذيب الناس ومعاملتهم كخُطاة مذنبين.. والعفة قد تكون قناعاً مهذباً لعُقَد نقص كامنة. مثلما قسوة الرجل ووحشيته علي المرأة قد تخفي في داخلها الخوف والضعف واليأس والهوان والحب الذليل.
رغم ذلك.. يبقي بداخلنا هذا الاحتياج الإنساني الفطري لصديق نبوح له بأسرار النفس وعذاباتها ويبقي بداخلنا هذا الاحتياج العاطفي الجارف للرفقة والحوار.. نتلمس في الظلام شيئاً نتشبث به. حيث النجوم تترامي أمام عيوننا علي مسافات لا نهائية وتلمع صامتة وكأن الصمت الأبدي لهذه المسافات يفزعنا.. وكأن الكون يعطينا ظهره ولا يهمه أمرنا أبداً.. حتي الطبيعة تنصت إلي بكائنا وضحكاتنا في صمت أبدي يفزعنا ويملأ قلوبنا بالخوف الذي يجعلنا نلوذ بالمسجد وندخل الكنيسة ونركع في المعبد.. الخوف الذي يدفعنا للبحث عن إنسان لنكلمه ونفضفض معه.. نفتح له أبواب القلب ونلقي أمامه بمتاعبنا وهمومنا.. من خلال علاقة إنسانية تتم عن تراض وتعاطف وحب وثقة وبدون غرض وبدون أجر.. علاقة إنسانية العداوة فيها فاضلة لا تهدم وتهزم. بل تدفع وتحفز وتضمد الجراح والآلام

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
اشواك الحب
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
همس الروح :: همس الخواطر :: همس القصص والرويات-
انتقل الى: